مقالة خاصة : ظلام لا ينتهي في حياة طفل عراقي
بعقوبة, العراق 8 نوفمبر 2009 (شينخوا) "سأقتل من قتل ابي لن أرحمه أبدا" بهذه العبارة يصف محمد علوان, الطفل ذو التسعة اعوام, ميزان العدالة من وجه نظره تجاه من اغتال ابيه بدم بارد امام عينيه وحرمه من حنان الاب منذ نعومة اظفاره.
هذه الكلمات القاسية التي تفوه بها هذا الطفل تثير في النفس الخوف مما سيؤول اليه مصيره في المستقبل, وهو يحمل في قلبه غضبا يتنامى معه، في الانتقام من اشخاص مجهولي الهوية قتلوا والده في ظلام الليل اثناء العنف الطائفي الذي اجتاح اغلب مدن ونواحي محافظة ديالى شرقي العراق خلال الاعوام الماضية.
محمد الذي كان يجلس على ضفاف نهر صغير يروي بساتين زراعية في محيط قرية السيح المكونة من 40 منزلا, (15 كم) جنوب غرب بعقوبة مركز المحافظة, ويراقب الطيور وهي تبحث عن غذائها وسط ارض زراعية محروثة حديثا, نظراته شاردة ولا يشعر بما يجري من حوله وكأنه جماد, فهو يلتزم الصمت في اغلب ساعات اليوم وكأن ايامه كلها ظلام دامس .
وقال محمد أو كما يطلق عليه اسم (اليتيم) لوكالة انباء ((شينخوا)) "قبل عامين تقريبا هاجم منزلنا مسلحون مدججون بالسلاح وانتزعوا أبي من بيننا, وعلى بعد امتار قليلة من المنزل اطلقوا وابلا من الرصاص عليه فسقط صريعا بالحال, كنت أرى الرصاص يخترق جسد ابي ويمزقه, لم يستجيبوا لتوسلاتي وبكائي فقتلوه امام عيني".
واضاف ونظرة الحقد في عينيه, على هؤلاء المسلحين, واصراره على الانتقام منهم " أذكر كيف ضرب احد المسلحين امي بقبضة يده مما تسبب في نزيف حاد في انفها, كانت مأساة ويوم اسود لن انساه ابدا ".
ويواصل محمد سرد قصته قائلا "سأثأر لابي يوما ما, واقتلهم ولن ارحمهم ", ثم يصمت قليلا ليقول "حان وقت الرحيل إلى اللقاء" والدموع تكاد تسقط من عينيه, الصغيرتين, لانه تذكر جرحا عميقا غائرا في قلبه أثر في نفسيته كثيرا وجعله منطويا على نفسه وصامتا في اغلب الاوقات.
مظهر محمد الخارجي يوحي فعلا بأنه متأثر بشكل كبير بحادثة مقتل ابيه, فجسمه نحيف وعيناه فيهما اثار الحزن ويحمل عصا في يده دائما, وملابسه رثة, ولا يعتني بمظهره الخارجي ويبدو اكبر من عمره.
أما والدة محمد التي اصبحت مسؤولة عن اربعة اطفال اكبرهم محمد فتقول "إن ابنها تأثر كثيرا بمقتل ابيه امام عينيه, لان وقع المأساة كان صعبا جدا على نفسيته, وخشيت أن يفقد عقله, لكنه الان افضل حالا, وبدأ يتحدث قليلا ويبوح ببعض ما يجول في خاطره".
وتابعت"أخشى من هاجس الانتقام والقتل الذي ينمو بداخله ويكبر معه يوما بعد يوم, وأخاف أن يأتي الوقت الذي يرتكب فيه خطأ فادحا, أصلي وادعو الله أن يعود ولدي إلى رشده وينسى ما حصل".
بدوره قال صادق كاصد (60 عاما) قريب الطفل "إن قريتنا والقرى المجاورة لها اصابها الكثير من المآسي والحزن بسبب الجماعات المسلحة وفي مقدمتها القاعدة, فقد قتل عشرات الابرياء دون ذنب, ومنهم والد محمد الذي اتهم بأنه جاسوس للامريكان, وقتل على اثرها".
وتابع "لكن الحقيقة غير ذلك, وهي أن والد محمد كان ينسق لتشكيل نواة الصحوة, وبشكل سري, الا أن امره انكشف, ولم تجد الجماعات المسلحة أي تهمة لتبرير قتله امام اهل القرية سوى اتهامه بالعمالة للاجنبي".
ووصف كاصد, قتل والد محمد امام عيني زوجته واطفاله بأنه, صعب للغاية عليهم وان اكثرهم تأثرا بما حصل هو محمد الذي بقى صامتا لنحو خمسة اشهر ولم يتحدث بسبب الصدمة القوية التي سببها مقتل ابيه, لانه متعلق به بشدة, وهذا ادى الى تغيير مجرى حياته, وتركه للدراسة منذ العام الماضي, وهو يردد عبارات غريبة عن القتل والثأر رغم سنه المبكرة.
فيما اوضح صعب الخزرجي عم محمد "اننا بطبيعة الحال قلقون لما يجري لمحمد الذي فقد ابيه امام عينيه, حيث زرعت في نفسه فكرة الانتقام, والسؤال ممن ينتقم ؟ فالقتلة مجهولي الهوية, لا نعرف سوى انهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة أو ما يسمى بدولة العراق الاسلامية".
ويلفت الخزرجي الانتباه الى وجود صفات غريبة لابن شقيقه وهي انه شارد الذهن دوما ولا يلعب كبقية الاطفال والحزن يخيم عليه طول الوقت، ورغم المحاولات العديدة لمساعدته الا انها باءت بالفشل.
بدوره قال بدر ادهم (9 أعوام), اقرب اصدقاء محمد "إن صديقه محمد اصبح بعيدا عنه جدا منذ عدة اشهر, ولم يعد يلعب معه كرة القدم أو يذهب إلى المدرسة بل أن اغلب الاطفال يخشون الاقتراب منه الان, لانهم يقولون انه جن بعد مقتل ابيه"، مضيفا "انه تعرض في احد الايام إلى ضرب مبرح بعصا غليظة من قبل محمد بعدما مازحه قائلا له أن الاطفال يقولون انك مجنون".
إلى جانب ذلك ذكر اسامة الدليمي, معلم محمد, أن حالة محمد غريبة وتستدعي الاهتمام, مبينا انه كان طالبا نشيطا وذكيا للغاية ويحصل على أعلى الدرجات رغم صعوبة الاوضاع الامنية, لكنه تغير بشكل كبير بعد حادثة مقتل ابيه.
وافاد أن كفاءته الدراسية بدأت بالانخفاض بصورة واضحة, حتى رسب في الامتحان, وفي العام التالي ترك الدراسة, داعيا إلى توفير اطباء نفسيين اختصاصيين لمعالجة الاطفال ممن سببت لهم اعمال العنف ردة فعل عنيفة, اثرت على قواهم العقلية, كاشفا عن وجود العشرات من الحالات النفسية السيئة التي افرزتها اعمال العنف الدموية التي مرت بها المحافظة وخصوصا على الاطفال.
ويرى بهاء اللهيبي، وهو باحث اجتماعي, أن شريحة كبيرة من الاطفال تعرضوا إلى ضغوط نفسية قاسية خلال فترة العنف تمثلت بقتل ذويهم امام اعينهم أو رؤية مشاهد الجثث الملقاة في الطرق والاحياء السكنية, فضلا عن اصوات الانفجارات المرعبة.
واضاف "هذه العوامل كان وقعها سيئا للغاية على الاطفال ولعل حالة الطفل محمد ورغبته بالانتقام تدلل على اهمية وجود الطب النفسي المتخصص لمعالجة هذه الحالات والتي يمكن معالجتها في سن مبكرة, لانها اذا ما تركت فانها سوف تنتج لنا شخصيات عدائية يتكرس فيها طابع الانتقام في المستقبل".
يذكر أن منظمة اليونيسيف قدرت في دراسة أعدتها, عدد الأيتام في العراق بين اربعة إلى خمسة ملايين طفل أغلبهم يعيشون في مستوى مترد يصل إلى الحد الأدنى من مستوى المعيشة.
الا أن علي الدباغ الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية ذكر في شهر ابريل الماضي أن عدد الايتام في العراق يبلغ نحو 2.5 مليون يتيم, مؤكدا أن هذا العدد يفوق قدرة حكومته والمنظمات الخيرية للتعامل معه.
ويرى المراقبون أن هذا العدد الكبير من الايتام العراقيين يعطي صورة واضحة عن معاناتهم, في هذا البلد الذي مزقته الحروب واعمال العنف, تعجز صفحات كثيرة عن نقل حقيقة ما جرى لهم , خصوصا مع استمرار دوامة العنف حيث يزداد عدد الأيتام يوما بعد آخر, الامر الذي يهدد مستقبلهم ووطنهم .
المصدر : (يوم الطفل العالمي) مقالة خاصة : ظلام لا ينتهي في حياة طفل عراقي





