قبل الكلام عما أصاب الطائفة المسيحية في العراق، يجب ألا ننسى ماذا حصل للأقليات الأخرى في هذا البلد. ماذا جرى ويجري لأصغر طوائف العراق أي الطائفة اليزيدية في شمال البلاد وتحديدا في منطقتي الموصل وكركوك سوى القهر والتنكيل؟ ماذا حل بإحدى مكونات العراق الروحية أي بطائفة الصابئة المندائية، وبمعابدها وخاصة في الجنوب؟ الم تهدّها آلة القتل والتمييز الطائفي في البصرة وفي الفلوجة، وتحت نظر قوى الاحتلال المتواطئة. فإذا بهذه الطائفة الغائرة في القدم تستنزف مواردها البشرية ويقتلعها التهجير بعيدا عن ارض مكثت فيها أكثر من ألفي عام ولم يعد منها في بلاد الرافدين سوى بضعة آلاف صابئي مبعثرين ومعدومي القدرة على الرحيل خوفا من بطش التمييز الطائفي والإتني والمحمي أميركيا. في الجحيم الطوائفي هذا وتحت احتلال يشرعن التنافس والتنابذ الطائفيين وصل الإذلال والاقتلاع الى المسيحيين في العراق.
إن تهجير مسيحيي شمال البلاد نتيجة العنف الذي أصابهم في مدينة الموصل وفي محافظة نينوى يأتي كسلسلة اضطهاد ألمت بهذه الأقلية الكلداشية ( كلدان وآشوريين) منذ قدوم الاحتلال عام 2003. هذا رغم كون المسيحيين عامة لم يدخلوا في ائتلاف ما مع الاحتلال، ومع القوى العراقية الحليفة له، أو مع القوى المناوئة له، إلا إنهم قد دفعوا ثمنا غاليا نتيجة وقوفهم بعيدا عما يجري في هذا البلد. لذا فان التعرض العنيف لكنائسهم وقساوستهم ورعاياهم وأملاكهم في العراق وعبر ميليشياته المتناحرة يدل، وللمفارقة، على أن الأقليات التي تنأى بذاتها عن لعبة الطوائف القاتلة لا يأتيها الأمان. وبالتالي أن الجميع يتشارك المأزق الوجودي الواحد: إما كوليرا
القتل والدمار وإما طاعون الإذلال والبطش.
إن التقاتل الطائفي في العراق هو، وبحسب بعض التسطيحيين، احد إفرازات الاحتلال. انه كذلك بالتأكيد ولكن الاحتلال ليس هو الشرط الرئيس لكل هذا القتل والإذلال والتدمير. ففي لعبة الطوائف المتناحرة التجاور العامل ألقيمي يبقى عاملا مشلولا ولا قيمة له، ففي مسار تعريف حدود الكانتونات الطائفية وترسيمها وتثبيتها وأثناء عمليات فرزها وقسمتها الحياد يتمظهر للذات وللآخر ارتهانا أو انكفاء وبالتالي يعيد لا واعياً إنتاج الطائفي بروحيته القائمة على هاجس الغلبة. فالامتعاض أو حتى الخشية أو الريبة من ميزان قوى طائفي ما يعتبر اعتداء حاصلا، أو اقله، عدوانا كامنا لا بد من ردعه استباقيا. هنا لا مجال سوى لتبريرات التخلص من الآخر وإزاحته. تبريرات تفوح منها رائحة الغرائز الدفينة البدائية والعطشى دوما دون أن ترويها كل الدماء ولا انتهاك كل الكرامات.
إن التدمير والقتل الطائفيين في العراق ليسا سمة تحتكرها طوائف هذا البلد. إن التراجيديا العراقية قد تكون متميزة ظرفيا، من حيث أن الاحتلال كقهر حسي لذات الفرد والجماعة يقوم على مبدأ فرّق تسد. والتناحر الطائفي غلب عليه البعد الكمي التضخمي لآليات وتمظهرات التدمير والإبادة . إلا إن هذه الحالة ليست في عمقها وأصولها وصيرورتها استثناء في محيطها العربي. وإذا خرجنا من العراق وقصدنا لبنان الذائع الصيت في حدة تطييفه للرموز وللعلاقات، أو مصر واليمن والسعودية مع أقلياتها الدينية، أو الجزائر والمغرب وتونس وحتى ليبيا مع أقلياتها من برابرة وطوارق وإباضية، لوجدنا التجاور الطوائفي نفسه بعوارضه، وآليات المواجهة الطائفية مع اختلاف التعبير وحدّته فقط. وأيضا لوجدنا أنفسنا دائما أمام معضلة واحدة وهي معضلة العقل العربي بخلفيته التمييزية المتجذرة.
هذا التمييز المتأصل نجده ليس فقط في بعض دوائر السلطة والقيادة السياسية أو الاجتماعية، أو في مخيلة “رجل الشارع”. لا بل نراه أيضا ينخر الجهاز التفكيري لدى الأحزاب والانتليجنسيا العربية. إن العقل العربي تمييزي بامتياز. وإن لم يكن عنصريا فهو طائفي أو مذهبي أو حتى جنسوي أو “جيلوي” بحيث أن الآخر وإن كان امرأة أو طفلا فهو يُرى ويُعاش كناقص أو كدوني.
إن العقل العربي قد أدمن على مجموعة من الأحكام الجامدة والناجزة تجاه علاقة الذات بالآخر. بحيث أن العلاقات، وفي شكلها الهرمي التراتبي تحديدا، ينظر إليها من خلال بعد أحادي، ألا وهو البعد “الطبيعاني” لذاك الهرم الاجتماعي والعلائقي. فمن خلاله اذاً تتجلى الانشطارات المجتمعية وسهولة إحضارها واستسهال إعادة إنتاجها. بحيث أن هذا العقل عندما يلجا كعادته الى منطق التحالفات أوالتفاهمات الجزئية أو الجهوية أو الفئوية، يعبر قبل كل شيء، أولا، عن تلك الانشطارات الأصلية والتي لا تسمح له نفسيا إلا أن يكون تمييزيا وتجزيئيا في معيوشه التفاعلي مع الآخر، وثانيا عن العجز الفكري في إنتاج رؤية اجتماعية - سياسية لكيان وطني دولتي قائم على مبدأي التعدد والتنوع داخل وحدة الوطن والمواطنة.
فعندما ينزع عن الآخر حقه بالاختلاف وحقه بمواطنة متساوية تحت كنف “قانون الجميع”، وعندما يقصى عن المشاركة الطبيعية في إدارة الحياة المشتركة للوطن الواحد وللدولة الواحدة، ماذا يبقى منه سوى وظيفة الكائن – الشيء الجدير بان يكون موضوع الهدم والانتقام؟ وعندما ينفصل التعلق بالوطن وبوحدة الجماعة عن التقبل واحترام التنوع الثقافي والتعدد المعتقدي، فماذا يصيب البناء الوطني سوى الاختزال القسري والشرذمة المتعجرفة؟
وإذا عدنا إلى جلجلة مسيحيي العراق، فيمكننا القول إن المطلوب القيام
به يقع على عاتق هذه الأقلية العربية أيضا كما يقع على كاهل الغالبيات في هذا الشرق العربي بتلاوينها المذهبية أو الطائفية أو الاتنية أو الجهوية أو الإيديولوجية. إن الأقلية المسيحية بمثقفيها ونخبها لم تقارب إلى حد الآن، ويا للأسف، التشرد المسيحي والاقتلاع الاقلوي عامة من العراق من منظار هادئ ومنهجي وبعيد المدى، تعبر من خلاله عن تمسكها بأرضها وبتاريخها المتجذرين معتقدا وموروثا وثقافة بالغة الأثر والتأثير. أما الردود الانفعالية سواء كانت انكفائية سوداوية لاجئة، أم كانت أسيرة وهم “الأمن الذاتي” الانتقامي، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الموجود الطائفي في توتراته أو في جموده، وبالتالي إلى تأبيد معضلة العقل العربي المحورية ألا وهي عقدة التمييز والتطييف للوجود، والعجز المستحكم في تقييدها أو في تحييدها أو، اقله، في إدراك مصائبها. إن الأقلية المسيحية مدعوة كما عودتنا أن تضع لشعوب هذه المنطقة رؤية نقدية وتصالحية تجاه الذات في تعبيراتها الماضوية والحاضرة والمستقبلية. بحيث أنها تجسد التجانس والانصهار مع وجود الآخر بخصوصياته الغنية، والتي تضفي على المسيحية الشرقية آفاقها وأعماقها الخاصة بها.
إن ما أصاب العراقيين وبينهم المسيحيون من ظلم واضطهاد هو جدير بان يتحول إلى مناسبة كي تتأكد وتتصلب روابطهم بأرضهم، وصيانتها والذود عنها عبر الاعتزاز بالإرث المشترك وذي الألوان المتعددة، وبالمستقبل الواحد ذي الفرادات المتداخلة. إن هذا الجهد الفكري المطلوب من الأقليات يجب أن ندرك أهميته التاريخية والعلائقية والعمل الدؤوب على إنجازه. هذا، وإن بقيت الغالبيات هائمة على وجوهها، ومصابة بعمى الألوان.
في النهاية، لكي تصبح مقاربة الأقلية ذات فاعلية مجتمعية فما على الغالبية سوى المساعدة في تحقيق شروط هذه المقاربة الاقلوية، وذلك عبر مساعدة ذاتها في التخلص من خشيتها وريبتها من أقليتها، وتحمل التعدد والتمايز البيني في اطارهما الوطني. وأخيرا التخلي عن أحاسيس العظمة – الاضطهاد ومشاعر العصبية الذوبانية والتي ل تعرف ولا تعترف لا بالأقليات ولا بالأفراد.
جورجيت الحداد - باريس
(أستاذة جامعية)