النص الكامل لخطبتي صلاة الجمعة (16 شوال 1429 الموافق 17/10/2008) من الصحن الحسيني الشريف. بإمامة سماحة السيد احمد الصافي ( ممثل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف)
الخطبة الأولى
اخوتي الكرام اخواتي الفاضلات السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته :
اوصيكم بتقوى الله تبارك وتعالى والخشية والخوف منه. وتذكر الموت والتأمل في أحوال يوم القيامة وما بعد القيامة. فانه لا شيء نتيقن به اقرب للشك مثل الموت، وكفى بالموت واعظا وكفى بالموت زاجرا. فهذه الدنيا وان طالت فهي قصيرة فنسال الله ان يعيننا على انفسنا وان يمتعنا بلباس التقوى والخشوع انه نعم المولى ونعم النصير .
وماذكرنا من كلمات سيد الساجدين ومولى المتقين الامام السجاد عليه السلام إلاّ تدعيما لمسالة الافادة الى الله تبارك وتعالى وان الانسان في عالم الدنيا ممكن ان يأهل نفسه لعالم الآخرة.
سبق وذكرنا ان الامام عليه السلام جعل الله تبارك وتعالى نصب عينيه وجعل الله تعالى هو المقصد والغاية والقوة والمعين والعدة. وهو المنتجع وهو المغاث.
هذه المسائل لو تطرح ذهناً، نرى انها تحتاج الى مؤونة نفسية منّا لغرض المحافظة عليها. فالانسان عرضة للشيطان وفتن الدنيا وللغواية، لكن يجب ان يفهم ويعلم ان هذه الغواية ليست هي نهاية المطاف بل اذا جاءه نزغ من الشيطان لا بد أن يلتفت الى نفسه ويعيد صلاح نفسه ثانية .
اعتقد ان كل منا يقع في مسألة الإنكسار النفسي من الذنب لكن هذا الإنكسار يجب ان لا يُسيطر على الإنسان بحيث يجعل الإنسان شخصية منهزمة، بل لا بد ان يعترف اولا بالتقصير ثم يحاول ان يصلح نفسه من خلال المساحات لواسعة والأبواب الواسعة الكثيرة التي هيئها الله سبحانه لنا .
الامام عليه السلام يقول - تكملة لموضوع الخطبة السابقة ( وفيما انكرت تغيير ) - فما معنى ان الله انكر هذا الفعل؟
( انكره ) أي عابه الفعل تارة، يكون معيب أي انه يفقد كثير من العوامل وهو إما عرفاً معيب او شرعا معيب فالامام في قوله هذا يعني ان الشيء الذي عبته مني كذنب او امثاله انا مطمئن انك انت قادر على ان تغيره .
اخواني الأعزاء.. أخواتي الفاضلات.. الاخلاق مدرسة واسعة جدا، وان علاجات المسائل الأخلاقية علاجات متعددة. الجامع المشترك بينها ان الاخلاق قابلة للتغيير نحو السيء او الاحسن. ولذلك فان الله تبارك وتعالى فرض علينا التوبة .
عملية التغيير لا يمكن ان تنفك عن سلوكياتنا مادمنا نحن نملك الإرادة والخيار، فكلما تعودنا واستئنسنا بالمعصية والعياذ بالله كلما كان احتمال التفات النفس الى الاصلاح ضعيف، وفي النتيجة فإن احتمال التغيير ضعيف، وبالتالي يتعود الانسان على سلوك محدد يصعب عليه الإنفكاك عنه. ولذلك قال البعض على لسان ابليس – لعنه الله- انه اذا وصل الإنسان الى الاربعين سنة مسح ابليس على لحيته وقال بابي وامي من لا يفلح ابدا. بمعنى ان هذا العمر الماضي في معصية الله، بعده يتعود الانسان على انه لا يلتفت. وبالنتيجة يكون من جند ابليس.
عملا قد ينكر لكن واقع القضية انه من اعوان ابليس.
والامام عليه السلام يبين ما مضمونه( الهي انني اذا اذنبت فلا شك انه عندك تغيير له وهذا نحن نؤمن به، وهوان الله سبحانه وتعالى يغير ).
لكن ياأخواني المسائل الاخلاقية تحتاج الى مؤونة وجهد فالانسان بنصيحة يتغير وبكلمة قد يتغير ويتعظ والنتيجة نحن في الدنيا ومجال مراجعة النفس مفتوح فعلى الانسان ان يحاسب وان يراجع نفسه (هل هو على طريق الصواب ام على طريق الخطا ؟ ) .
ثم يقول الامام ( فامنن علي قبل البلاء بالعافية ) ان مقتضى القاعدة ( الانسان عندما يعصي يستحق العقوبة) ولكن العفو خارج عن هذه القاعدة، مِنـّةً من الله تعالى. فالامام عليه السلام يقول يارب (فامنن علي قبل البلاء بالعافية ) فالبعض يسأل الامام الرضا عليه السلام ( أيبتلى المؤمن ؟ ) فيقول الامام عليه السلام ( أو يُبتلى غير المؤمن ؟ ) فالبلاء للمؤمن ليس من باب توهين المؤمن، وانما من باب ان الإبتلاء فيه مقامات عالية للانسان لكن مع ذلك غير مرغوب ان الانسان يسأل البلاء حتى يعطى الدرجة فاسالوا ربكم العافية وذلك واضح من قول الامام عليه السلام .
ثم يقول الامام عليه السلام ( وقبل الطلب بالجِدَة ) والجِدَة هنا تعني سعة الرزق او حالة من الرزق لا احتاج فيها الى احد أي من علي ياربي قبل ان اطلب بسعة الرزق .
وللاسف هناك حالة الان موجودة وهي سوء الظن في مسألة الرزق. نحن نعتقد ان الله هو الرازق وان الامور بيده وان خزائنه لا تنفذ ولا تفنى. لكن عندنا حالة من سوء الظن فاذا مر بالانسان ظرف قد يبذل والعياذ بالله ماء وجهه لمن لا يستحق .
ثم يقول الإمام عليه السلام ( وقبل الضلال بالرشاد ) سبق وان بيّنا بأن كل خسارة تتحمل .. سواء خسارة في المال, أوخسارة في الصحة.. الخ ، الا الخسارة في الدين .
دخل (حميد بن قحطبة) على بعض الخلفاء فأرسل عليه الخليفة ليلاً قال بم تفدي الخليفة قال بمالي قال ارجع بعد نصف ساعة قال له بم تفدي قال بولدي بعد ذلك قال له بم تفديه قال بديني قال حسبك نحن نريد منك دينك هؤلاء ستين علويا في السجن فاذبحهم .
فالانسان يخسر لكن عندما يخسر دينه ضعي عليه التعويض لان التوبة قد لا تتوفق لكل احد .
فالانسان اذا ألف المعصية والعياذ بالله قد لا يراها معصية حتى يلتفت إليها حتى يتوب .
فالله يمن على الانسان عندما يرى منه نيّة صالحة حتى وان كان ضالا بأن يعطيه فرصة للتوبة والإنسان الذي لم يقترف الذنب افضل من الانسان الذي اقترف الذنب وتاب .
وهناك بعض الذنوب بها اثار وضعية، بمعنى ذنب يجر الى ذنب. فمثلا الانسان اذا عقّ والديه وان رضيا لكن حدود الله تعالى قد تؤثر في قصر العمر .
وهناك بعض الروايات تقول ان جميع الجوارح مرهونة باللسان.. كان الشيء الذي يحصن الانسان هو اللسان فقل خيرا او اسكت .
ثم يقول الامام ( واكفني مؤونة معرَّة العباد ، وهب لي امن يوم المعاد ، وامنحني حسن الارشاد )
طبعا مؤونة العباد والمعرة هنا هي الشدة والثقل.. اللهم انت اكفني ذلك. ثم يدعوا الإمام بان يكون آمنا يوم القيامة من هول ذلك اليوم. فكل منا في هذا اليوم يقول نفسي من شدة الهول إلاّ النبي صلى الله عليه وآله يقول امتي.
فمسألة يوم المعاد نحتاج ان ياتينا هتاف يافلان انت آمن فنسال الله سبحانه وتعالى ان يمنحنا هذه الطمانينة وهذا الأمن في احوج مانكون اليه وهو يوم المعاد وان يرزقنا شفاعة الحسين والائمة الاطهار عليهم السلام .
اسال الله دوام التوفيق للجميع وان يستر علينا بستره انه على كل شيء قدير .
الخطبة الثانية
إخوتي الأعزاء أخواتي الكريمات أود أن اعرض على مسامعكم الكريمة بعض الأمور :
الأمر الأول : طبعا منهج إلغاء الآخر هو منهج غير موضوعي خصوصا وان بلد مثل العراق كان قد مر بمجموعة عقود وسياسات مختلفة، لكن الجامع بينها هو التفاوت بعملية الإقصاء وتعرض طائفة لقتل وتعرض طائفة أخرى للتشريد وأمثال ذلك، فأقول إن هذا المنهج مهما يكن صاحبه ليس في الأشخاص فقط وإنما في طريقة التفكير أيضا ، فهو يفتقر إلى الموضوعية، ومن هنا فلا نجد مبررا لإستهداف الإخوة المسيحيين في الفترة الأخيرة وفي بعض مناطق العراق، كل مواطن يجب أن يحترم بغض النظر عن مذهبه أو طائفته، فتعرض الإخوة المسيحيين إلى القتل والتهجير والإختطاف، والى غيرها من الأساليب ،هو أمر مرفوض تماما، وبشكل واضح نحن لا نرضى عن هذه التصرفات كونها غير منضبطة وعلى الحكومة أن تفرض حمايتها على جميع الأطراف داخل المجتمع العراقي، فنحن نستنكر ما يتعرض له الأخوة المسيحيون، ولا بد من توفير ما يمكن توفيره للحماية اللازمة لكل الإخوة وإشعار الجميع بالأمن والأمان في هذا البلد الكريم .
النقطة الثانية : حول الاتفاقية الأمنية التي مر الكلام عليها، طبعا المرجعية المباركة أوكلت ما يتعلق بالاتفاقية إلى مجلس النواب الموقر، هذا ليس معناه إن المرجعية ليس لها رؤية في هذا الموضوع وإنما من خلال منهجها المعروف ، إنها من الأمور المهمة وحتى في العادية إنها توكل إلى المؤسسات الدستورية والقانونية المعتمدة التي تؤطر بناء الدولة، هذه النقطة أيضا تحتاج إلى إيضاح إذن.
على المجلس الموقر أن يراعي في هذا القرار المصالح العليا للبلد من جهة الاستقلال ومن جهة السيادة والاستقرار في الحاضر وفي المستقبل ولا ريب إنها مسؤولية مهمة تقع على عاتق هذا المجلس. ونتمنى من الله أن يعينه على أداء وظيفته بأحسن وجه. كذلك نحب أن نبين أن الشعب العراقي لن يقبل بالتنازل عن هذه الأمور المذكورة ولا شك إن الأجيال القادمة والحالية لن تسامح أي مقصر عن أداء وظيفته التاريخية المهمة في أمثال هذه الأمور، فنسأل الله لهم صواب الرأي والموقف الحكيم والخروج بنتائج طيبة تحفظ للشعب العراقي ما ذكرناه .
الأمر الثالث : أتحدث عن أمر اسمه الآداب العامة، طبعا كل دول العالم عندهم مقدسات حسب معتقدهم وهي عادة، أما لها صيانة دستورية أو العرف تبنى على جعل هذا الشيء مقدس والاهتمام به، عندنا في العراق مقدسات كثيرة ومنها كربلاء المقدسة ، لكن في الفترة الأخيرة ظهرت بعض التصرفات التي لا تتناسب مع قداستها ، أنا لا أقول بان فلان لا يحتفل فهذا أمر يعنيه ولا أقول فلان لا يفرح فان هذا أمر يعنيه، لكن أن يتجرد وينسلخ بطريقة يسئ للمدينة بطريقة توحي عدم الاحترام للمدينة المقدسة، فهذا أمر مرفوض.. لا العرف يوافق عليه ولا القوانين ، ويفترض أيضا من السلطة المحلية أن تلتفت إلى ذلك، فمدينة كربلاء المقدسة يؤمها في بعض الزيارات أكثر من تسع ملايين شخص، ما بال بعض الأخوة بمجرد أن تأتيه حالة من حالات الفرح ؛ يشرك حيا ً بكامله بأصوات نشاز لا ترقى إلى مستوى الأدب، هذا أمر من جهة فيه مخالفة واضحة للآداب العامة، ومن جهة أخرى نحن في مدينة مقدسة وأيضا بقية المناطق المقدسة في العراق فهذا الأمر تأباه الأعراف الموجودة في المدينة وأيضا يأباه الدستور، فهذه مخالفة للآداب ومخالفة الآداب العامة مرفوض . لا بد من بذل جهود مضاعفة من اجل إبراز هذه المدينة بحلة تتناسب ومكانتها لا أن نبعث فيها الجوانب السلبية، لذا يجب أن نعطف عجلة البناء إلى إضفاء شيء يتناسب مع هذه المدينة المقدسة خصوصا ونحن على أعتاب نهاية سنة وبداية سنة ونحن على نهاية حقبة انتخابات وبداية انتخابات أخرى وان يتناسب مع القيم لهذه المدن بعيدا عن الأمور السلبية التي ذكرناها .
نسال الله دوام التوفيق لهذا البلد وان يديم العز والرحمة لهذا البلد وان يرينا في أعدائنا كل ذلة وكل حالة سلبية وان يتقاعس هؤلاء عن أذية هذا الشعب الكريم وان يمن عليكم بالصحة والعافية وان يحفظنا ويعجل فرج صاحب العصر والزمان بحق محمد وال محمد .