خبراء: العراق هو "نقطة التقاطع" في المصالح الإستراتيجية لتركيا وإيران
اتفق خبراء ومحللون إستراتيجيون عراقيون، السبت، على أن العراق يشكل بؤرة الاهتمام الإقليمي والدولي حاليا، مثلما يشكل نقطة تقاطع للمصالح الإستراتيجية لكل من إيران وتركيا، لكنهم اختلفوا بشأن طبيعة هذه المصالح وأهدافها، ومدى ارتباطها بإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المنطقة.
وقال الخبراء والمحللون، د. شيرزاذ الجاف، عباس الياسري، ود. سعدي الحديثي، للوكالة المستقلة للأنباء (أصوات العراق)، إن كلا من تركيا وإيران تسعيان لتحقيق موطئ قدم لهما في العراق لتأمين مصالحهما (وربما أطماعهما التاريخية) فيه، أو لضمان عدم سير أوضاعه بعيدا عن مصالحهما، لافتين إلى أن تحقيق ذلك مرتبط بالموقف الأمريكي وبقضايا أخرى نابعة من هذا الموقف، كالموقف من الأكراد، أو الوضع في كركوك.
وبين د. شيرزاذ الجاف، التدريسي في جامعة صلاح الدين، أن تغير النظام السياسي في العراق، في التاسع من نيسان أبريل 2003، دفع بتركيا لأن تتطلع إلى لعب دور ما فيه، مستندة في ذلك إلى ضعف الدولة في العراق.
وأضاف الدكتور الجاف، أن تركيا دولة لها وزن استراتيجي كبير في الشرق الأوسط، وهذا الدور ليس وليد اليوم بل هو وليد التطور التاريخي السياسي الاجتماعي والسياسي الذي لعبته تركيا منذ تأسيسها عام 1923، متأثرة بالإرث الإمبراطوري العثماني، مشيرا إلى أن تركيا كانت تحكم العراق بولايته الثلاثة، وإلى أن هذا الدور لا يمكن أن ينقطع فجأة ولا يمكن فصله عما يجري في العراق من أحداث سياسية، بمعنى أن هذا الدور يتأثر بما هو موجود في الواقع السياسي العراقي من تحولات.
ولفت إلى أن هنالك عاملين مهمين وراء تزايد الاهتمام التركي بالشأن العراقي، يرجع أولهما إلى ما وصفه بالدور “الإيراني القوي والخطير” في العراق، والثاني إلى “مشكلة الولايات المتحدة في العراق، وصراعها مع إيران”، مبينا أن الأمريكيين “فسحوا المجال لتركيا وشجعوها على لعب دور أكبر (قوي وغير اعتيادي) لا في العراق حسب، بل وفي المنطقة أيضا، في خطوة أرادوا من خلالها مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في العراق والمنطقة”.
وشرح أن ذلك “يتضح من خلال الزيارات المتعددة للمسؤولين العراقيين إلى تركيا، وعقد اتفاقيات معينة معها، وزيارة رئيس وزراء تركيا إلى العراق”، وزاد كما أن “الدور التركي في إجراء مباحثات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل، يدخل في إطار هذا التشجيع الأمريكي للدور التركي، ومحاولة زيادة وزنه الإستراتيجي كلاعب رئيسي في شؤون المنطقة”.
ونوه إلى أنه في هذه العلاقات يلاحظ “أن القضية الكردية تلعب دورا مهما يحاول الأتراك من خلاله أن يضعوا لهم موطئ قدم أو أصابع خفية لتوجيه الحكومة العراقية بشأن كيفية التعامل مع المسألة الكردية”.
وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد زار اسطنبول مؤخرا وتباحث مع القادة الأتراك بشأن العلاقات الثنائية ومجمل الأوضاع الإقليمية، لكنه فشل في حمل الأتراك على توقيع اتفاقيات مشتركة، وقد صرح نجاد في مؤتمر صحفي عند اختتام الزيارة “إن أمريكا احتلت العراق وعليها الانسحاب منه حيث أن اقتدارها في المنطقة آيل إلى الزوال لا محالة”.
وكانت جريدة سيراكيوز Seracuse الأمريكية، قد نسبت، أمس الجمعة، إلى الرئيس الإيراني نجاد قوله “إن على الدول الإقليمية ملء الفراغ الأمني عند انسحاب القوات الأمريكية من العراق، لكن الرئيس الإيراني فند ذلك، اليوم (السبت)، مبينا أنه “سبق أن بين مرارا أن دول المنطقة قادرة علي توفير أمنها دون الحاجة إلى تدخل القوي الأجنبية”.
أما المحلل السياسي عباس الياسري، فرأى في حديثه لـ(أصوات العراق) أن دور تركيا في العراق “أكبر من دور إيران”، معللا عدم وضوح هذه الرؤية بأنه ناجم عن “دور الإعلام العربي، وعدم وضعه الدور التركي تحت المجهر”.
وأضاف الياسري، أنه بعد خمس سنوات على العملية السياسية “أصبح العراق هو المحور الإقليمي الذي تراهن عليه دول المنطقة”، موضحا أن “تقاسم النفوذ يميل إلى تحسين العلاقات السياسية وليس تعميق العنف في العراق لدى كل من إيران وتركيا”.
وأضاف أن ما “يشغل بال الأتراك هو قضية كركوك وما ستؤول إليه انتخابات مجالس المحافظات”، وأن لكل من الدولتين (إيران وتركيا) نفوذهما وأجندتهما الخاصة في العراق”.
وبشأن تقاسم النفوذ الإقليمي في العراق، قال المحلل السياسي د. سعدي الحديثي، لـ(أصوات العراق)، إنه ” “لا يمكن وضع إيران وتركيا في سلة واحدة”، موضحا أن المشاريع الإستراتيجية للبلدين في ما يتعلق بالعراق “غير متشابهة”، مضيفا أن تركيا “لا تمتلك أوراق ضغط وتغلغل استخباري وامني في العراق كما هو الحال مع إيران”.
وتابع الحديثي، أن تركيا “لا تطمح أن تكون مشاريعها بمستوى المشاريع الإيرانية”، مشيرا إلى أن هنالك جذور تاريخية وثقافية للمشاريع التي يطمح الإيرانيون تحقيقها في العراق”.
ونوه الحديثي إلى أن إضعاف النشاط الكردي، هو القاسم المشترك بين تركيا وإيران، القاسم “التقارب الذي يتمثل بحزب العمال الكردستاني على الشريط الحدودي بين تركيا وإيران والعراق”، وهذا ما يشير إليه “القصف المتكرر من الجيشين التركي والإيراني من حين لآخر، لمناطق تواجد القوى الكردية المسلحة على الحدود العراقية مع بلديهما”.
وتشن كل من تركيا وايران، بشكل متكرر، عمليات قصف على المواقع التي يتحصن فيها حزب العمال الكردستاني داخل اقليم كردستان، وفي حين تعرضت أكثر من عشرين قرية حدودية تابعة لمحافظة السليمانية خلال الاشهر الماضية الى قصف إيراني بحجة تواجد عناصر تنظيم بيجاك PJAK، وهو جناح مقرب من حزب العمال الكردستاني. تقصف القوات التركية المناطق المحاذية لمحافظتي اربيل والسليمانية بشكل متكرر، بحجة ملاحقة حزب العمال الكردستاني، ما أدى إلى نزوح الكثير من سكان القرى الحدودية.
وشهدت العلاقات بين العراق وتركيا، تأزما حادا نهاية العام الماضي على خلفية مواجهات جرت بين الجيش التركي وعناصر حزب العمال الكردستاني المتمركز في مناطق وعرة على الحدود الدولية بين البلدين، وهو ما دفع البرلمان التركي إلى منح الحكومة الضوء الأخضر لاجتياح الحدود العراقية لتعقب عناصر الحزب المحظور في تركيا، لكن مساع دبلوماسية عراقية وأمريكية خففت الأزمة.
وتجددت الأزمة حينما شنت القوات التركية في شباط فبراير الماضي حملة عسكرية داخل الأراضي العراقي في مناطق إقليم كردستان الحدودية لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، قام على أثرها الرئيس جلال الطالباني بزيارة لتركيا دعا فيها لإقامة علاقات إستراتيجية بين البلدين.
وجاءت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، الى بغداد في العاشر من شهر تموز يوليو الماضي، في أول زيارة لزعيم تركي إلى العراق منذ عام 1990، لتساهم في تحسين العلاقات العراقية التركية وزيادة التنسيق مع الحكومة العراقية. اذ اعلن اردوغان خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع نظيره العراقي نوري المالكي، ان بلاده وقعت مع العراق اتفاقية تقضي بتشكيل لجنة عليا للتعاون الاستراتيجي بين البلدين بوجود إدارة مشتركة للعمل معا من اجل اكتساب دفعة قوية في العلاقات بين البلدين.
وعاد اردوغان ليعلن من بغداد، أن من المتوقع أن يصل حجم التجارة بين العراق وتركيا إلى 5 مليارات دولار، وربما سيرتفع مع الاستثمارات خلال السنوات الثلاث القادمة إلى 25 مليار دولار.
فيما كشف مستشار في وزارة التجارة حينها ان حجم التبادل التجاري سيرتفع حتى نهاية العام الحالي ليتجاوز العشر مليارات، مبينا ان من بين المشاريع التي تم الاتفاق عليها بين العراق وتركيا، هو انشاء مشروع السكك الحديد الحديثة، فضلا عن إنشاء مدن صناعية على الحدود العراقية التركية وفي مدن عراقية أخرى كالبصرة، بالإضافة إلى المشاركة في تأهيل قطاع الكهرباء من خلال إنشاء محطات تعمل بالطاقة الغازية والمائية
اصوات العراق - خبراء: العراق هو “نقطة التقاطع” في المصالح الإستراتيجية لتركيا وإيران