الحياة - كركوك … القشة التي كسرت ظهر البرلمان العراقي بعد تصويته على قانونها
رفض الرئيس العراقي جلال الطالباني، ونائبه عادل عبد المهدي، الموافقة على قانون انتخاب مجالس المحافظات الذي أقره البرلمان العراقي. وأعرب الاثنان عن ثقتهما بأن مجلس رئاسة الجمهورية لن يمرر القانون. ونقل بيان عن مكتب الطالباني أن «الرئيس لا يوافق على مثل هذا القانون الذي صوت عليه 127 نائباً لا يمثلون نصف البرلمان». كما ندد برلمان كردستان العراق في جلسة طارئة بإقرار قانون مجالس المحافظات واعتبر رئيس برلمان كردستان العراق عدنان المفتي القرار بمنزلة انقلاب على الدستور.
وكان مجلس النواب العراقي صادق على القانون في غياب النواب الأكراد الذين انسحبوا من الجلسة، واعتراض عدد آخر على اعتماد القانون بالتصويت السري.
ويتعلق الأمر بمقترحين، يدعو الأول إلى تأجيل انتخابات مدينة كركوك وهو ما تؤيده الكتلة الكردية، في حين يدعو الاقتراح الثاني إلى إجراء الانتخابات وفق تقاسم السلطة في المدينة وهو مطلب يؤيده التركمان والعرب، ورفض المقترح الأول وحظي الثاني بالتأييد.
وجاء التصويت لصالح المشروع المذكور على رغم انسحاب نواب كتــــلة التحــــالف الكردستاني من جــلسة المجـــلس احتــــجاجاً على قرار رئيسه محـــمود المشهداني اجراء التصـــويت في جلسة سرية ما اعتبره نواب الكتلة الـــكردية خــرقاً للنظــام الداخلي للبرلـــــمان العــــراقي وطـــعــنوا فـــي ذلك.
واعترض نائبا رئيس البرلمان على تصرفه «اللاقانوني واللاشرعي» وأصدرا بياناً قالا فيه: «إن طريقة التصويت التي أُجريت على قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي مخالفة للثوابت الوطنية والأعراف البرلمانية التي جرت العادة عليها». ووصف الاثنان طريقة التصويت بأنها تقوم على سياسة لي الأذرع وكسر العظم وأنها غير دستورية ولا قانونية. وأضافا أن من الحمق أن يجرى التصويت على قانون بهذه الأهمية في غياب مكون كامل من جلسة التصويت.
ويشكو الأكراد من تدخلات دول إقليمية مجاورة في الشأن الداخلي العراقي وخصوصاً في ما يتعلق بكركوك. وأشار أحد أعضاء التحالف الكردستاني إلى توافقات كانوا توصلوا إليها مع الائتلاف الشيعي الحاكم قبل الجلسة بيوم واحد قبل أن يعمد الائتلاف إلى تغيير موقفه رأساً على عقب. ويتداول عدد من البرلمانيين حدوث اتفاقات سرية بين أطراف محلية وأخرى إقليمية تعتبر بمثابة صفقة بدأت ملامحها تظهر خلال الأيام التي سبقت الجلسة البرلمانية. وتتمثل الصفقة بقيام إيران بإلزام حلفاءها في الحكومة العراقية عدم تلبية مطالب الأحزاب الكردية في كركوك مقابل دور تركي لدى الولايات المتحدة والغرب لحلحلة الملف النووي الإيراني. وقال البرلماني العراقي الذي تحدث عن الأمر للصحافة أن الإيرانيين كانوا قطعوا تعهداً للأتراك منذ فترة طويلة وذلك بأن يقوموا بهذه الخطوة إزاء كركوك بالشكل الذي يعفي تركيا من الاضطرار إلى القيام بعملية عسكرية داخل العراق إذا جرت انهيارات في كركوك. وبحسب المصدر البرلماني فإن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان أخذ تعهداً من رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي بعدم السماح للأكراد بضم كركوك إلى إقليمهم مطلقاً. وكان مصدر في الائتلاف العراقي قال انه يمكن وصف الحالة بانشقاق تكتيكي وقع فيه الائتلاف العراقي عندما انسحب منه اعضاء بارزون ولم يصوتوا على القانون في حين بقيت اطراف اساسية أخرى داخل الجلسة كمنظمة «بدر» والمستقلين وحزب «الدعوة» والمجلس الأعلى.
ويبدو ان منعطفاً جديداً في الحياة السياسية العراقية حصل في الجلسة البرلمانية حيث اقترب الاحتكاك بين التحالف الكردستاني والائتلاف العراقي من المنطقة الخطرة التي يمكن ان تغير من اتجاهات تحالفهما الوثيق الذي يشغل المشهد السياسي العراقي منذ خمس سنوات.
وتمتاز كركوك بثروتها النفطية التي أهلتها لتكون أحد أهم المراكز النفطية في العراق. غير أن هذا النفط ما برح يمثل اللعنة لسكانها. فبسببه قامت السلطات العراقية المتعاقبة بترحيل الأكراد منها وإسكان عائلات عربية مكانهم ووصل هذا الأمر ذروته في ظل حكومات صدام حسين. وتشير التقارير إلى ان عملية ظهور النفط في المدينة يرجع الى العام 1927 وبدأت عملية استخراجه في العام 1934 من قبل شركة النفط العراقية وبمشاركة عدد من الشركات الاجنبية المتخصصة بصناعة النفط خصوصاً البريطانية منها. وتتميز حقول كركوك بغزارة انتاجها وجودة نفطها إذ يعتبر من النفوط الخفيفة القياسية. وتدير عمليات النفط شركة نفط الشمال، واهم الحقول النفطية في كركوك هو حقل بابا كركر تليه حقول جمبور وباي حسن الجنوبية والشمالية وحقل افانا وحقول الخبازة النفطية وحقل جبل بور وعدد من الحقول الأخرى. ويعيش في المدينة مزيج من القوميات منها الكرد والعرب والتركمان والكلدانيون والآشوريون وكذلك طائفة الصابئة. وتجيد غالبية أبناء المدينة أربع لغات هي: الكردية والعربية والتركمانية والآشورية.
ولم تتقدم الحكومة العراقية بشكل رسمي لأي جهة دولية من أجل المساعدة في حل مشكلة كركوك، وحالياً أصبحت التقارير التي تقدم إلى مجلس الأمن الدولي غير منتظمة. وأدى هذا الأمر إلى فسح المجال أمام زعماء الجماعات المتنافسة في المدينة للمضي أكثر وأكثر في تصعيد الخلافات، فإذا بهم يقيمون التحالفات بين بعضهم البعض. فبعض التركمان يتحالف مع الأكراد، وبعضهم مع العرب. والشيء نفسه بالنسبة للأكراد والعرب والآشوريين والكلدانيين. وكما أشار أحد المهتمين بالوضع في كركوك فإن جميع هذه التحالفات لا يتسم بالاستقرار، فتحالف الأمس ينفرط اليوم، ليحل مكانه تحالف جديد، وذلك على النحو الذي جعل الأوضاع في المدينة متوترة على الدوام.
ويزيد الطين بلة تدخل الدول المجاورة ولا سيما الحكومة التركية التي تتصرف كما لو كانت كركوك شأناً داخلياً تركياً. ويكرر الأكراد أن التدخل التركي يتذرع بوجود أقلية تركمانية في المدينة، الأمر الذي يعد حجة مكشوفة لا تنطلي على أحد. فالجهد التركي ينصب على الحيلولة دون مضي الأكراد في ترسيخ القاعدة المادية لما يعتبره الأتراك دولة كردية منفصلة على حدودها. ويشكل هذا كابوساً للحكومة التركية إذ تخشى من الانعكاس السلبي للأمر على أكرادها. ومن أجل عرقلة كل ذلك فإنها تلجأ إلى الوسائل الديبلوماسية والإقتصادية والسرية إضافة إلى الهجمات العسكرية المتتالية واتخاذ إجراءات تصعيدية مثل إغلاق معبر الخابور الحدودي وأنبوب نفط بيجي- جيهان وذلك من أجل حرمان حكومة كردستان من العائدات المالية.
واعتبر الاكراد الإجراء الذي اتخذه البرلمان العراقي عملاً غير صائب من شأنه الإضرار بالوحدة العراقية والانكفاء عن مبادئ التوافق التي بقيت متبعة بين الكتل البرلمانية، وفي رأيهم أن هذا الأسلوب في الظروف الحالية في العراق سيؤدي إلى انعدام الثقة، الضئيلة أصلاً، بين المكونات القومية والمذهبية ويشكل بادرة خطيرة تتسبب في انعاكاسات ونتائج لن تكون في صالح العراق الذي ما زال غارقاً في بحيرة من الحيرة والاضطراب.
الحياة - كركوك … القشة التي كسرت ظهر البرلمان العراقي بعد تصويته على قانونها