لماذا التركيز على أسعار النفط؟ … محمد الصياد

Editors » 16 July 2008 » In Analysis Briefings Commentary, Features, Society And Economy »

من يتابع هذه الأيام ومنذ بعض الوقت، أجهزة الميديا الغربية، وخاصة الصحافة المكتوبة القائدة ومحطات التلفزة الرئيسية، لا بد وأن يكون لاحظ أن هذه الوسائط وهي تغطي أنباء المال والأعمال في العالم، تكتفي بتسليط الضوء على أسعار النفط المرتفعة باعتبارها المسؤولة عن أزمة الغذاء العالمية الناجمة عن ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، وعن أزمة الطاقة اللائحة في الأفق على صعيديها الاقتصادي (التكاليفي) والايكولوجي (البيئي) .

وهي إذ تفعل ذلك فإنها تتعمد “تلقيم” المتلقي معلومة يستنتج منها أن النفط ومنتجيه ومصدريه هم المسؤولون عن أزمته .

هذا تفسير أحادي وغير منصف للوقائع من شأنه تلطيخ سمعة الدول المصدرة للبترول وخصوصاً الدول الأعضاء في منظمة أوبك التي تمارس عليها الآن ضغوطات معنوية بتحميلها مسؤولية الارتفاع المتواصل وغير المسبوق لأسعار النفط .

والحال أن هذا التأويل لأسباب المشكلة (ليس سبباً واحداً بالتأكيد) يحقق غرض تلك الأجنحة من مراكز القوى الاقتصادية والسياسية في الغرب، التي وضعت لها استراتيجيات جديدة في مجال الطاقة مناوئة للوقود الأحفوري وتحديداً النفط كمصدر من مصادر توليد الطاقة .

ذلك فيما يتعلق بطريقة صياغة وبث الأخبار في النشرات الاقتصادية السريعة وفي التغطيات الخبرية الصحافية التي تحقق اختزالاتها واجتزاءاتها غرض التضليل الإعلامي . وأما فيما يتعلق بالحوارات والتغطيات المتوسعة لقضية الأزمة الاقتصادية العالمية المتمثلة في عودة التضخم وارتفاع أسعار الغذاء، فإن استراداتها لا تؤثر إلا قليلاً في ميلها نحو التركيز على ارتفاع أسعار النفط .

في هذا السياق تتوزع تلك الآراء على ثلاثة محاور مختلفة، يركز الأول في تناوله لانعكاسات هذا الارتفاع على الاقتصادات الغربية، على تميز هذه الاقتصادات بارتفاع كفاءة استخدامها للطاقة وتراجع حصة الصناعة في اجمالي نواتجها المحلية لمصلحة قطاع الخدمات . فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) تراجع ثقل الصناعة في اجمالي الناتج المحلي الأمريكي بواقع %42 خلال الفترة من 1980 الى 2007 .

فيما يذهب المحور الثاني الى ان ارتفاع أسعار النفط كان ثابتاً ولم يكن يوماً فجائياً ما أعطى الاقتصادات فرصة للتوافق والتآلف مع حقيقته .

وأما المحور الثالث فيتمثل في قلب التأويلات رأساً على عقب باعتبار ان التوسع المفرط في الاقتصاد العالمي هو الذي استدعى ارتفاع أسعار النفط .

ومع ذلك ظل التركيز كل التركيز على أسعار النفط كعنوان رئيسي، وذلك على الرغم من ان الاقتصاد العالمي قد كذب كل “المنجمين” الاقتصاديين الغربيين الذين أفرطوا في تحذيراتهم من أن أسعار النفط المرتفعة سوف تتسبب في ركود اقتصادي عالمي عميق شبيه بذلك الذي حدث في عام 1973 . فأسعار النفط ارتفعت أربع مرات في السنوات الخمس الماضية ومع ذلك فإن الاقتصاد العالمي ظل يؤدي أداء مبهراً .

والغريب أن لا أحد يأتي على ذكر حقيقة أن أسعار النفط كانت تدور حول 25 دولاراً للبرميل في عام 2003 قبل ان ترسل الولايات المتحدة بجيوشها لتحتل العراق وتطلق مارد الأسعار من قمقمه .

الى ذلك أيضاً ينسى المحللون الاقتصاديون الغربيون الذين درجوا على الربط الآلي بين مصير موجة ارتفاع أسعار النفط وتراجع الطلب عليه من جانب الأسواق الغربية، ينسون أن الاقتصاد العالمي لم يعد مختزلاً في الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الأوروبي، بعد الصعود التاريخي لاقتصادات عالمية ظلت تؤدي على مدى العقدين الأخيرين أداء قوياً يتقدمها الاقتصاد الصيني والاقتصاد الهندي والاقتصادات الجنوب شرق آسيوية . وعندما لا يحدث هذا الربط التقليدي على الارض، تعود الميديا الغربية لتحميل منتجي النفط مسؤولية ارتفاع أكلاف الانتاج (يقصدون تقليل هوامش ربحيتهم) .

فهذا جولدمان ساخس يتحدث عن انتقال ثروة تقدر بحوالي 3 تريليونات دولار من مستهلكي النفط الى منتجيه خلال الفترة من 2001 الى 2007 وان وتيرة التحويل تستمر بواقع 1,8 تريليون دولار في العام . ولكنه لا يأتي على ذكر ما يفعله هو كمؤسسة مالية وغيرها من المصارف والصناديق الاستثمارية والتحوطية الغربية، من مضاربات واسعة النطاق في سوق البترول الدولية يجنون منها مليارات الدولارات بطريقة لا تختلف كثيراً عن المقامرات التي تحدث داخل صالات القمار .

ولماذا لا توجه الأضواء وتركز على اخفاقات السلطات النقدية والمالية الأمريكية في حماية عملتها الوطنية التي يشكل انهيارها السبب الرئيسي وراء حالة الاضطراب التي تتعرض لها اليوم الآليات المؤمنة للحد الأدنى من التوازنات الاقتصادية والاجتماعية العالمية .

فبخلاف الولايات المتحدة فإن بلدان منطقة اليورو التي يحرس عملتها (اليورو) البنك المركزي الأوروبي حراسة بالغة الشدة والاحكام، تؤدي أداء جيداً (بعيداً عن تأثيرات أسعار النفط)، حيث أظهرت بيانات الربع الأول من العام الجاري أن إجمالي ناتجها المحلي سجل ارتفاعاً نسبته %2,8 في المتوسط (ألمانيا %5)، كما انخفض معدل التضخم في ابريل/ نيسان الماضي من %3,6 الى %3,3 . خالص القول إن مشكلة ارتفاع كلفة الإنتاج عالمياً لا يمكن حصرها لا منهجاً علمياً ولا منطقياً اقتصادياً ولا أخلاقياً، في أسعار النفط وحدها .

دار الخليــــج-الخليج الاقتصادي-آراء وتحليلات-لماذا التركيز على أسعار النفط؟ … محمد الصياد

Tags: , , ,

Trackback URL

No Comments on "لماذا التركيز على أسعار النفط؟ … محمد الصياد"

Hi Stranger, leave a comment:

ALLOWED XHTML TAGS:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <code> <em> <i> <strike> <strong>

Subscribe to Comments