اردوغان يؤسس لعلاقة اقتصادية مع بغداد بـ 25 مليار دولار !!
تغزل ببغداد وطوى صفحة الـ 18 عاما الماضية
اردوغان يؤسس لعلاقة اقتصادية مع بغداد بـ 25 مليار دولار !!
احتاج رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وقتا اطول من المسافة التي قطعها موكبه العلني من مطار بغداد الدولي الى المنطقة الخضراء لكي يشرح موقفه من الملفات التي كانت ومازالت عالقة بين العراق وتركيا. فعلى المنصة التي جمعته مع نظيره العراقي نوري المالكي في المنطقة الخضراء وسط بغداد فاجأ اردوغان مضيفيه العراقيين اكثر من مرة . مرة حين تغزل بالعاصمة العراقية بغداد التي حظيت برغم همومها ومصائبها بلفتة نادرة قلما بات يجود زمانها الحاضر بمثلها حين شبه اردوغان بغداد بانها تشبه الحبيبة طبقا لمثل تركي ذي خلفية عثمانية واضحة مفاده ان ( لا حبيبة مثل الام ولا بلد مثل بغداد ) . كما فاجأهم بخطابه الطويل امام الصحفيين الذين اكتضت بهم القاعة والذي خصصه لشرح وجهة النظر التركية باسهاب من مختلف المسائل الاكثر خطورة والحاحا بين الطرفين يضاف لهما الطرف الذي تقف عنده الحدود الابعد لهذه العلاقة التي ظلت ملتبسة في الماضي وزادت التباسا في الحاضر عندما بدا الاكراد العراقيون يتحركون منذ سقوط نظام صدام حسين بوصفهم قوة رئيسية في المعادلة الاقليمية وهو مالاترحب به انقرة بل وتقف ضده لسببين رئيسيين .. الاول كون تركيا تضم العدد الاكبر من الاكراد الموزعين على الدول المتجاورة الاربع .. ايران , تركيا , العراق , وسوريا وبالتالي فان الدعوة لنيل الحقوق الكردية كاملة ( استقلال بدولة تشمل كردستان الكبرى عاصمتها ديار بكر التركية ) او نصف كاملة مثل الحكم الذاتي في اطار نظام حكم فيدرالي وهو ما تحقق في العراق بعد العام 2003 , او منقوصة مثل نيل الحقوق الثقافية فقط وهو مايعانيه الاكراد في الدول الثلاث الاخرى ماعدا العراق .. اي تركيا وايران وسوريا . والثاني قضية كركوك التي تنظر اليها تركيا بوصفها واحدة من القضايا التي يمكن ان تصلح دوما ميدانا للمساومة مع كل الاطراف سواء كانت اطرافا عراقية ( مختلف الحكومات العراقية ) او اطرافا اقليمية ( ايران , سوريا ) او اطرافا دولية ( مثل الولايات المتحدة الاميركية التي تحتل العراق حاليا ) . فانقرة وجدت في تركمان كركوك ( والتركمان عموما يشكلون القومية الثالثة في العراق بعد العرب والاكراد ) مجالا خصبا لاستمرار نفوذها في العراق تحت ذريعة قومية خصوصا بعد سقوط نظام صدام حسين مثلما وجدت ايران ذريعة طائفية لمد نفوذها في العراق ( بسبب الاغلبية الشيعية ) ومثلما وجدت اطرافا عربية ذريعة طائفية ـ قومية بالمقابل لمد نفوذها في العراق ( بسبب العرب السنة الذين هم اقلية قياسا للعرب الشيعة لكنهم لم يعودوا كذلك عند انضمام الاكراد والتركمان وغالبية القوميتين سنية ) وهو ماجعل نظام صدام حسين بل وحتى الانظمة التي سبقته تغلب ماهو قومي , عروبي على ماهو طائفي . وقد ادى ذلك الى المزيد من الاضطهاد القومي والعرقي والمذهبي بسبب عدم قدرة تلك الانظمة ولاسيما نظام البعث على تغليب صفة المواطنة على ماعداها من صفات اخرى .
بكاء على كركوك
حين سقط النظام السابق في التاسع من نيسان عام 2003 سقطت معه اوهام كثيرة . ومن بين الاوهام التي سقطت هي فكرة تاسيس نظام عروبي تنتفي فيه الحاجة الى مسميات اخرى . ولعل هذه الفكرة هي التي دفعت طارق عزيز الوجه الابرز للدبلوماسية العراقية على مدى اكثر من عقدين من الزمن ان ينفي في انقرة عند ما كان زيارة رسمية له وجود التركمان في العراق . وبالنسبة لطارق عزيز نفسه فانه وخلال مباحثات له مع الزعيم العراقي الحالي جلال طالباني خلال الثمانينيات من القرن الماضي برفقة وفد كردي في بغداد قال صراحة للطالباني ان بامكان بغداد ان تمنح الاكراد حقا واحدا في كركوك وهو ان يبكوا عليها كما بكى العرب الاندلس مدة مائة عام ومن ثم نسوها . ولما كانت عبارة عزيز لطالباني قاطعة وتبدو في غاية الصلابة والصلافة معا فان جواب طالباني المعروف بحبه للنكتة كان عبارة عن نكتة سوداء اغضبت عزيز حيث قال له ( شكرا كثر الله خيرك ) لانكم اعطيتمونا حق البكاء على العراق بينما منعتم هذا الحق عن الشيعة ( بسبب منع السلطات انذاك لطقوس عاشوراء الشيعية التي يصاحبها عادة بكاء ولطم وزناجيل ) . وطوال السنوات الخمس الماضية لم تتمكن السلطة الجديدة من بناء فكرة بديلة ومقبولة للمواطنة بسبب المحاصصة التي هيمنت على العقل والوجدان وتفتقت عنها كل الاستحقاقات الاخرى وقادت البلاد الى حافة صراع طائفي ترتب عليه مقتل وتهجير الملايين من العراقيين . كما ادى الى تدخل واضح من الجميع لاسباب وذرائع متباينة .
مفاجأة المليارات
طبقا لزيارة اردوغان ومثلما اعلن الاربعاء كل من نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي والناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ من انه سيتم خلال زيارة رئيس الوزراءالتركي تأسيس المجلس الأعلىللتعاون الإستراتيجي بين البلدين لتقوية العلاقات بينهما في مجالات أبرزها الأمنوالسياسة والطاقة. وبالفعل فخلال المؤتمر الصحفي المشترك اعلن المالكي واردوغان انهما انتهيا توا من ترؤس الجلسة الاولى لاجتماع هذا المجلس . ومع ان كل الاطراف العراقية بدت في غاية الارتياح لهذه الزيارة التي وصفت بـ ( التاريخية ) لانها طوت صفحة 18 عاما من اخر زيارة قام بها رئيس وزراء تركي الى العراق ( قام بولند اجويد رئيس وزراء تركيا عام 1990 بزيارة الى العراق قبل غزو الكويت ) . كما ان اردوغان ثاني اكبر زعيم اقليمي ودولي بعد الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد يقوم بزيارة معلنة الى العراق . بل هو اول زعيم دولي تجرى له مراسم استقبال رسمية في مطار بغداد منذ سقوط النظام السابق حيث ان مراسم استقبال نجاد الرسمية جرت داخل المنطقة الخضراء .
ومع ان اردوغان لم يواجه اسئلة محرجة خلال المؤتمر الا انه وبلفتة نادرة وذات مغزى شكر ما اسماه ( الحكومة الاقليمية شمالي العراق ) لمساعدتها انقرة في مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني وهو امر كان يعلنه زعماء هذا الحزب بينما تنكره القيادات الكردية . ومع ان المؤشرات تقول ان اردوغان لن يلتقي احد من زعماء اقليم كردستان ( مسعود البارزاني رئيس الاقليم او نيجرفان البارزاني رئيس الوزراء ) الا انه يلتقي الرئيس العراقي جلال طالباني وهو كردي . لكن المسالة الاهم في كل ماجرى ان اردوغان جاء بحزمة نصائح الى العراقيين الذين قال عنهم انهم كانوا يعيشون منذ عشرات القرون والاف السنين على هذه الارض وسيظلون كذلك الى الابد داعيا الجميع الى طي صفحات الماضي فاتحا مع الجميع صفحة جديدة تتمثل هذه المرة بالتغلب على الخلافات السياسية بتفعيل العامل الاقتصادي ورفع مستوى حجم التبادل التجاري .
الحاجة الى الماء
فطبقا لمشروع اردوغان للتاخي بين العراقيين ومعهم في ان واحد فان حجم التبادل التجاري بين البلدين حاليا يبلغ خمسة مليارات دولارات , واذا اضيفت لها الاستثمارات التركية في العراق وغاليبتها في شمال العراق ( اقليم كردستان ) والتي تبلغ هي الاخرى خمسة مليارات دولار فان حجم التبادل التجاري يقفز الى عشرة مليارات دولار . لكنه اشار الى ان الخطط الموضوعة مع الحكومة العراقية تهدف الى رفع مستوى هذا التبادل خلال السنوات القليلة القادة الى 25 مليار دولار وهو مايعني المزيد من التشابك بين بغداد وانقرة وهو ماسوف يؤدي بالضرورة الى تغليب لغة المصالح الاقتصادية وهي محرك بحث عالم اليوم كبديل عن المحرك البالي القديم المتمثل بالمبادئ انطلاقا من ان العولمة والاقتصاد الحر لم يلغ المسافات فقط بل جعلها متداخلة الى الحد الذي يصعب اختراقه . ليس هذا فقط فان العلاقة بين البلدين تتخطى هذه الابعاد الى بعد حياتي اخر وهو الماء . وهذا البعد هو ربما الوحيد الذي لاتنطبق عليه لغة المصالح المجردة لانه في النهاية مسالة حياة او موت . ومع ذلك فان اردوغان الذي كشف عن حاجة تركيا الماسة الى المياه الا انه اشار الى انها لن تحرم العراق من هذه الثروة . ولعل اهم ماقاله في هذا السياق ان تركيا تعمل الان على مشاريع مائية ضخمة مثل مشروع جنوب شرق الاناضول ( غاب ) والذي سينعكس وفقا لمعادلة المصالح الاقتصادية المتشابكة على البلدين .
