اطباء واختصاصيون يعترفون بوجود (تمييز طائفي) داخل المستشفيات والسياسيون ينفون ذلك
بغداد- واشنطن- خاص
نشرت صحيفة (النور) التي تصدرها وكالة ( الملف برس) تقريرا عن اوضاع الجرحى الذين يسقطون جراء الهجمات الارهابية التي تشهدها العاصمة بغداد.. ولاهمية ما جاء في التقرير تعيد الوكالة نشره.
لـ(مروة جاسم) طفلان وأيضا قطعتا بلاتين في ساقيها، كانتا نتيجة الإصابة بقذيفة هاون نزلت على سقف بيتها، فحطمت الشبابيك وقتلت زوجها. أما ابنتها ذات 16 ربيعاً فقد ظلت تنزف داخلياً حتى الموت.
كانت الأم تقف في ممر عيادة محلية بالقرب من سوق الدورة ببغداد، تتحدث عن ابنتها بيأس وعيناها مغرورقتان. وتوسلت بمن حولها قائلة: “دم ابنتي عليل”. لكن الدكتور (محمد) الذي يشرف على العيادة يعرف أن المضادات الحيوية التي تأخذها لن تقهر “العدوى”، ويؤكد الطبيب شيئين أن مرضاه في العموم لا يعيشون طويلاً، وأنه لا يستطيع أن يفعل إلا القليل لهم.
وهوعلى سبيل المثال يقف عاجزاً أمام حالة (مروة جاسم) التي تحتاج الى جراحين متمرسين لإجراء عملية لها، فيما تعاني المستشفيات والمراكز الصحية من الأطباء الاختصاصيين والمعدات اللازمة.
وامتد النقص ليشمل الأسرة وأبسط الخدمات الصحية الأخرى في ظل توقف الدولة عن بناء المستشفيات منذ عقود، وقال الدكتور قاسم مدلل مدير مستشفى (الإمام علي ) في مدينة الصدر لـ (النور) إن مستشفيات مدينة الصدر لا يزيد عدد أسرتها عن الألف سرير في حين يبلغ تعداد السكان في المدينة ثلاثة ملايين نسمة، وهي تعاني أيضا من نقص حاد في الأجهزة والمستلزمات الطبية، والأمر ذاته ينطبق على مستشفيات محافظة الانبار كما يقول الدكتور أحمد إبراهيم الدليمي مدير صحة الأنبار.
وطبقاً لمراسل صحيفة( U. S News )، فإن الأميركان الذين يزورون العيادة لا يجدون فيها المضادات الحيوية “الأنتيبايوتكس” بالقدر الذي يحتاجه الدكتور (محمد)، وأنهم قد يحصلون على بعضها. و(مروة) وهي من عائلة لا تملك شيئاً تحتاج 1500 دولار لعلاج البلاتين في ساقيها، إذا ما تم ذلك في وقته.
وقال عريف في الجيش الأميركي قائلاً: “ربما نستطيع أن نحصل لها على هبة تغطي عمليتها”، مقترحاً بذلك ” الحصول على تمويل من برنامج خاص بخدمة المرضى المهددين بالموت”. لكن الضابط الأميركي أجابه: “لا أعتقد أن أي مسؤول سيوقع على تنفيذ ذلك”.
ولو كانت هذه هي الحالة الوحيدة يقول (أليكس كنزبري) بما يمكن إنجاز عملية (مروة) ومنحها العناية الطبية التي تحتاجها، بمنحة من الصليب الأحمر، أما الهلال الأحمر فهي – حسب زعمه - لا حضور لها في الأحياء المنكوبة التي تسكنها أغلبية سنية، وعموماً فإن منظمات الإغاثة قادرة على المساعدة فقط في حالات خاصة أو منتقاة. أما (مروة) فهي واحدة من ألوف المرضى في هذه العيادة وحدها، وكلهم يحتاجون الى عناية طبية أحسن.
ووجد تقرير صادر عن الحكومة العراقية أن 70 بالمائة من الجرحى الذين يُنقلون الى المستشفيات يموتون بسبب النقص الكبير في الأطباء والمعدات والعلاجات الطبية.
لكن النائب باسم شريف عضو لجنة الصحة في البرلمان العراقي نفى ذلك وقال لـ ( النور) ” لا يمكن ان نميز الجرحى على اساس انه سني او شيعي.. سيارة الاسعاف عندما تنقل الجرحى من مكان الحادث فانها لا تنظر لهذا الموضوع بقدر ما تنظر له من الناحية الانسانية لغرض انقاذه.. اما التبعات الاخرى لا يمكن ان تؤخذ في الجانب الصحي على اساس المذهب او الطائفة”.
وقال شريف ان القطاع الصحي يعاني من مشاكل جمة ونقص حاد في المستلزمات الطبية، فضلاً عن النقص الحاد في الاطباء الاختصاصيين، وكل ذلك – كما يقول شريف – يؤدي الى ارتفاع اعداد الوفيات بين جرحى الهجمات الارهابية.
ويوافقه في الرأي، بما يتعلق بنقص الاختصاصيين، مصدر موثوق في نقابة الاطباء، الذي قال لصحيفة ( النور) أن العراق خلا من نصف أطبائه قياسا بما كان عليه عددهم سنة 2003. وبلغة الارقام قال المصدر ان عدد الاطباء قبل خمس سنوات كان 34800 طبيباً لكن الرقم انخفض اواخر عام 2007 الى 16700 طبيباً.. ولكم ان تتصوروا معاناة المرضى العاديين، فكيف بالجرحى الذين يسقطون جراء التفجيرات.
وعزا المصدر النقابي هجرة الاطباء الى اسباب كثيرة منها تردي الوضع الامني، واستمرار مسلسل خطف وقتل الاطباء، من دون ان تتمكن الدولة من الوصول الى الجناة.
إن العراقيين – كما يقول ضباط الجيش الأميركي الذين يشرفون على هذه العيادات الطبية - يحتاجون الى أطبائهم (الكثيرون منهم تركوا العراق بسبب النزاع الطائفي المستمر) يجب أن يُعادوا إلى البلد بأي ثمن. وحسب النقيب (ياري ريفيرا) 38 سنة الذي يرافق وحدة مشاة أميركية باختصاص مساعد طبيب فإن الحالة التي يطلع عليها خلال دورياته مزرية جداً وتحتاج الى “عملية إنقاذ خاصة وطويلة الأمد”.
وفي مكان آخر تحدثت الى النقيب (ريفيرا) امرأة في الثلاثينات من عمرها، اضطرت للعمل صاحبة مقهى وهي مهنة مستحيلة للمرأة في العراق، بعد أن ظل زوجها يعاني من فشل كلوي والتهاب الكبد الفايروسي ومرض مزمن في الرئة ولما باعت العائلة كل ما لديها واستدانت من الأقارب والجيران لتنفق حوالي 130 دولاراً أسبوعيا على عملية الديلزة (غسيل الكلى) ولمدة ثمانية أشهر عجزت بعد ذلك عن فعل شيء واستسلمت لقدرها بترك الرجل يموت على البطانية التي لُف بها الى قبره.
ويؤكد الوسط الطبي العراقي ان اكثر المرضى معاناة في العراقي هم اولئك المصابون بامراض الكلى، اذ لا يوجد في بغداد سوى خمس وحدات لغسيل الكلى ( الديلزة)، ودائماً اربعة منها لا تعمل بسبب عطل الاجهزة لقدمها، فيما تعطى مواعيد متباعدة جدا للمرضى بشكل لا يتناسب مع نمط هذا المرض.
وفي هذه الصدد يقول النائب باسم شريف ان التخصيصات المالية لوزارة الصحة ضمن موازنة عام 2008 غير كافية، ولهذا تقدمت لجنة الصحة البرلمانية بطلب الى مجلس النواب بزيادة التخصيصات بمبلغ مليار ونصف المليار على الاقل للمساهمة في دعم القطاع الصحي، لاسيما وان كثيرا من المستشفيات والمراكز الصحية تعاني من نقص في الادوية والمستلزمات الطبية.
واطلع مساعد الطبيب الأميركي ومترجمه على حالة (خالد حسين ابراهيم) 35 سنة يعاني من أمراض عديدة ومن فشل كلوي أيضاً بسبب ما تعرّض له أمام بيته من إطلاق نار من بندقية ak-47 . وأخبرت ابنته (ريفيرا) أن أباها لابد أن يحصل على كلية صناعية ليعيش، هكذا يصوّر لها أبوها لكي لا تفقد الأمل. أما زوجته فقد تصوّرت أن زوجها مسجل على قائمة عمليات زرع الكلى. لكنّ الحقيقة هي غير ذلك تماماً.
سحب المترجم العراقي 50 دولاراً من محفظته ودسها في يد (خالد) الذي سعل بعض الدم في منديله. وسأل جندي أميركي المترجم السني: “هل هم سنة أم شيعة؟”. فأجابه: “ليس مهماً معرفة ذلك. فالمهم أنها عائلة عراقية باعت كل ما تملك من أجل أن يبقى الأب على قيد الحياة.
ويقول مراسل (U.S News): وما دام (ريفيرا) ينتقل من مكان الى مكان في شوارع المدينة فإنه يعثر على مرضى في كل بيت تقريباً وأكثرهم لا يتلقون علاجاً “.
واطلع (ريفيرا) كمساعد طبيب على حالات صعبة جدا، فأحد الشبان قال له “هل يجب أن تتحرك ذراع بهذه الطريقة؟”. يقول (ريفيرا) أنها كانت تتحرك بطريقة غير اعتيادية ولما نزع الشاب قميصه أظهر كيف استقرت رصاصة في ساعده ولم يستطع الأطباء أن يفعلوا له شيئاً. فأخبره بضرورة ممارسة تمارين خاصة لتقوية عضلة الساعد.
سأل أحد الجنود رجلاً معاقاً: “لماذا لا تستعمل الكرسي الخاص الذي جلبناه لك؟”. فأجاب الرجل الذي كان يزحف على الشارع القذر: “إنهم لا يعطونني مالاً كافياً”. كان الرجل يستجدي الناس فلما رأوه على كرسي نظيف أحجموا عن إكرامه كثيراً.
ويؤكد د. حكمت عبد الرسول حاتم عميد كلية طب النهرين ” ان وزارة الصحة العراقية لم تستطع ان تصرف سوى اكثر من النصف بقليل، وهو الامر الذي أثر كثيراً على تجهيز المستشفيات بالادوية والعلاجات والمستلزمات الطبية ” .
يشار الى ان تقارير برلمانية اظهرت ان وزارة الصحة لم تنفق من ميزانية عام 2007 سوى 43% من تخصيصاتها، بينما يقول المسؤولون في الوزارة ان ما تم انفاقه من ميزانية الوزارة هو 75% .
وقال عبد الرسول ان تحسن اداء القطاع الصحي في العراق مرتبط بعوامل عدة اهمها اعادة تأهيل واعمار المستشفيات وتجهيزها بالاجهزة الحديثة، اذ لا يعقل الا يوجد في اكبر مستشفيات مدينة الصدر جهاز الرنين المغناطيسي MRI الذي يكتسب أهمية فائقة في تشخيص العديد من الأمراض، لاسيما وان مستشفيات الصدر الثلاثة الرئيسية تضم نحو الف سرير، وتستقبل الجرحى ليس من مناطق الصدر فقط بل والمناطق المحيطة بها كالشعب وحي اور والراشدية والحسينية، وبعض هذه المناطق هي ذات اغلبية سنية كالراشدية.
وزاد بالقول ان محافظة كبيرة الانبار لا تملك سوى جهازا واحدا للمفراس CT ، فضلا عن جهاز واحد للرنين المغناطيسي MRI ؛ من دون أن يكون هناك طاقم متخصص يستطيع تشغيله.
عميد طب النهرين وهو واحد من الجراحين المعروفين في العراق، نفى ان يميز الاطباء بين المرضى او الجرحى تحديداً على اساس الطائفة او المذهب.. لكنه لم يستطع نفي ان يقوم بعض من اسماهم ( ضعاف النفوس) من الكادر التمريضي بارتكاب مثل هذه الافعال التي وصفها بالمشينة.
ولفت الى ان البعض منهم ربما يضطر لفعل ذلك تحت تهديد السلاح، ومثل هذه الامور التي قال انه سمع بها وقرأها في الصحف الغربية قد تحدث في ظلمة الليل.. وهي لا تقتصر على المستشفيات الواقعة في المناطق الشيعية وانما في مستشفيات تقع في احياء سنية.
وضرب عبد الرسول مثلاً بشاب تعرض لاطلاقات نارية في بطنه اثناء مواجهات طائفية في حي العامل، فنقل الى مستشفى اليرموك وحين وصل الطبيب المقيم لمعالجته سأله: هل انت سني ام شيعي، فما كان من اهله الا نقله على مسؤوليتهم الى مستشفى الكاظمية.
اطباء واختصاصيون يعترفون بوجود (تمييز طائفي) داخل المستشفيات والسياسيون ينفون ذلك