المحكمة الاتحادية العليا والمادة ( 140 ) من الدستور, وعلى صيغة السؤال يتوقف جواب المحكمة
دخلت المادة (140) من الدستور بعد تاريخ 31/12/2007 دائرة الخلافات والاجتهادات الدستورية والقانونية كما كان متوقعا , بين قائل بسقوط المادة من الاعتبار بنفاد الفترة الدستورية وتجاوز السقف الزمني وبين من يقول بالتمديد ووضع تاريخ جديد هو 30/ 6/2008 كأقصى حد لتطبيق المادة 140 , مما يؤكد أهمية ومحورية السقف الزمني في النص الدستوري , لوكان هناك تسالم وقبول عند الإطراف المعنية في إن قصد المشرع الدستوري من التاريخ هو مجرد قشرة خارجية وقالب تنفيذي لا أكثر ولا أقل لما أثير كل هذا النقاش الحامي والخلاف المحتدم ودخول الأمم المتحدة على الخط , وكذلك مما يؤكد أهمية الزمن الاصرارعلى تمديد المادة وتحديده بستة أشهر, مع الإمكان إبقاء المادة بلا سقف زمني جديد إلى حين الانتهاء من تطبيق جميع فقرات المادة الدستورية والإعلان عن الفراغ التام منها , وهذا يؤكد أن الحجة القانونية لدى القائلين بسقوط المادة أقوى من حجة المتمسكين ببقائه حتى على فرض التنازل بسقوط القالب الزمني وليست حقائق المادة الدستورية ككل , المهم أن هناك جزء من مادة دستورية باتت فاقدة الصلاحية دستوريا وقانونيا , ولابد من استبدال هذا الجزء وان تغييره هوتعديل دستوري ولابد أن يمررمن خلال إلية محددة دستوريا .
وفي أجواء هذا الخلاف الدستوري والقانوني على سقوط المادة من عدمه ترّجح الرأي بالذهاب إلى المحكمة الاتحادية العليا ورفع القضية إليها للبت في الأمر, وإن اللجوء إلى المحكمة الدستورية في هذا الصدد قد يكون أفضل من عرض الموضوع في مجلس النواب الاتحادي الذي لا يعد الأمر من اختصاصه وأي قرار منه بهذا الصدد يكون قابلا للطعن فيه , خاصة وقد تبين أن التمديد من قبل المجلس الوطني الكردستاني لا اثر قانوني له باعتباره قرارا غير ملزم كما أن الأمر ليس من صلاحيات واختصاصات المجلس المذكور .
وقبل الخوض في غمار هذا الموضوع المعقد ينبغي التعرف على الصلاحيات الدستورية للمحكمة الاتحادية العليا وهل يدخل الخلاف حول المادة ( 140 ) في دائرة اختصاصاتها , أم إن اللجوء إليه كالاحتكام إلى قاضي ترتضي به الإطراف المتنازعة عرفيا ؟
إن المادة ( 92) من الدستور ينص على مايلي: (( تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي:
أولا :- الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة .
ثانياً: - تفسير نصوص الدستور .
ثالثاً :ـ الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء، وذوي الشأن، من الأفراد وغيرهم، حق الطعن المباشر لدى المحكمة.
رابعاً:ـ الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية.
خامساً :ـ الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الأقاليم أو المحافظات.
سادساً :ـ الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، وينظم ذلك بقانون.
سابعاً:ـ المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.
ثامناً : أ ـ الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي، والهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم .
ب ـ الفصل في تنازع الاختصاص.))
على ضوء هذا النص الدستوري تبرز مجموعة أسئلة تحدد مسار هذا البحث القانوني في دور المحكمة الاتحادية العليا في حسم الخلاف حول المادة 140 .
السؤال الأول :- هل أن الموضوع المحال إلى المحكمة الاتحادية العليا تدخل في صلب اختصاصات هذه المحكمة حسب فقرات المادة 92 من الدستور .؟
السؤال الثاني:- ماهو الموضوع المعروض بالتحديد أمام المحكمة الاتحادية العليا ؟
السؤال الثالث :- الغاية والهدف من رفع القضية إلى المحكمة الاتحادية .؟
السؤال الرابع:- طريقة العرض والسؤال المرفوع الى المحكمة حول الموضوع ؟
السؤال الخامس :- الجهة التي رفعت الموضوع- تشريعية – تنفيذية - متضررة مستفيدة - شخصية ؟
السؤال السادس :- هل إن رأي المحكمة في صدد هذا الموضوع يكون باتا وقطعيا حسب المادة 94 من الدستور؟ وبأي أغلبية ؟ وهل الإجماع هنا مطلوب ام لا ؟
السؤال السابع : هل هناك سؤال واحد أم عدة أسئلة تثار حول الموضوع؟
السؤال الثامن : هل السؤال المرفوع ينبغي ان يحظى بالتوافق بين الإطراف المعنية ام لا ؟
إن الإجابة الموضوعية على الأسئلة المتقدمة سيحدد مسار القرار والحكم المحايد والذي من الممكن أن تقبل به كل الإطراف المعنية بعيد ا عن شبهة التأثيرات الجانبية والرضوخ للضغوطات .
يبدو إن الذين رفعوا الأمر إلى المحكمة الاتحادية انطلقوا من أمرين:
الأول / عدم اختصاص وصلاحية أية جهة في الدولة في حسم الخلاف حول مصير المادة 140 من الدستور بعد 31/12/2007 حيث لا يملك لا مجلس النواب الاتحادي ولا الحكومة ولا مجلس رئاسة الجمهورية ولا الأمم المتحدة صلاحية البت في هذا الأمر من الناحية الدستورية والقانونية , فلم يبقى سوى اللجوء إلى المحكمة الاتحادية من باب الاضطرار وليس الاختيار لانحسار الأمر بها بعد نفاد الخيارات .
الأمر الثاني/ ألاتكاء على الفقرة ثانيا من المادة(92) من اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا والتي تنص على ( تفسير نصوص الدستور ) .
وان الموضوع المطروح وهو مصير المادة( 140) بعد نفاد المهلة الدستورية لها في 31/12/2007, والسؤال الأساس هنا هل إن الخلاف على المادة 140 من المواضيع التي تدخل فعلا وحكما ضمن فقرة (تفسير نصوص الدستور) حتى تنطبق عليه اختصاصات المحكمة الأنفة الذكر ؟
إن الخلاف بين الأطراف المعنية ليس في معنى ودلالة النص الدستوري حتى تحسم المحكمة رأيا في اتجاه محدد, وعليه ومن اجل ضبط الموضوع بدقة عالية حتى ينطبق الحكم عليه بالكامل لابد من تحديد إطار الخلاف حول المادة الدستورية المذكورة , ومن الواضح إن الخلاف حول المادة 140 لا يتعلق بالغموض والإبهام في النص الدستوري حتى يصبح المطلوب هو التفسير والتوضيح وكذا لا يتعلق الخلاف بنص مختلف على معناه وتعدد الفهم والآراء فيه حتى يتم توحيد الفهم والرأي حوله , ولا بنص له عدة معاني حتى ترجح المحكمة أحداها على الأخريات بناء على أدلة وقرائن , وذلك إن معنى فقرة تفسير نصوص الدستور لا تخرج عن المعاني الأربعة التالية:
- توضيح الغامض والمبهم .
- توحيد الفهم.
- ترجيح احدى المعاني.
- بيان المقصود بالتمام.
والسؤال هنا هل إن الخلاف حول سقوط المادة( 140 ) كلا أوجزاءا ينطبق عليه احدى هذه المعاني لكلمة التفسير في المادة الدستورية الخاصة باختصاصات المحكمة الاتحادية العليا ؟
لا يختلف اثنان إن الخلاف حول المادة المذكورة لا تتعلق بالمعنى والمقصود والمراد والمطلوب حتى تنطبق عليه كلمة التفسير في النص الدستوري حسب المادة 92 ثانيا.
ان هناك تاريخا قد انقضى وهو 31/ 12/ 2007 وهذا واقع موضوعي , وان البحث في مصير المادة 140 بعد انقضاء هذا التاريخ ليس بالأمر التفسيري .
والمحكمة الاتحادية العليا لا تستطيع القول إن التاريخ باق لان ذلك خلاف الواقع بالبديهية , ولا يمكنها القول بعدم أهمية التاريخ , أو ان المادة تبقى مفتوحة زمنيا وهنا السؤال لماذا اللجوء إلى التمديد إذا ؟
ويبقى إن الأمر الأساسي في تحديد موقف المحكمة الاتحادية العليا يتوقف في هذا الموضوع على صيغة السؤال المرفوع إليها وذلك إن (الجواب من سنخ السؤال) دائما كما يقولون ومن طبيعة السؤال تتحدد طبيعة الجواب من هنا كل طرف يستطيع أن يصوغ السؤال بالطريقة التي يحصل عليها الجواب المراد حسب المصلحة, وبهذا الصدد لا يوجد سؤال محدد حول المادة 140 وعليه لابد من التوافق على السؤال بين الأطراف المعنية وضبط صياغته على نقطة الخلاف المحددة وذلك لأنه بالإمكان توليد وصياغة عشرات الأسئلة حسب زاوية النظر والرغبة في الحصول على جواب محدد فعلى سبيل المثال نذكر بعض من تلك الأسئلة:
- هل المادة 140 بعد تاريخ 31/12/2007 تعد فاقدة الصلاحية أم لا ؟
- هل تسقط كل المادة 140 بعد انقضاء التاريخ ام فقط القالب الزمني ؟
- هل إضافة تاريخ جديد إلى المادة 140 يعد تعديل في الدستور وتغيير في النص ؟
-هل تستطيع الحكومة واللجنة التنفيذية للمادة المذكورة مواصلة العمل ام لابد من التوقف الى حين تعديل الدستور ؟
-أن التمديد 6 أشهر كيف يكتسب الشرعية ومن أين حتى تبقى المادة الدستورية حية غير ميتة ؟
- هل وضع تاريخ جديد لابد ان يمر من خلال لجنة التعديلات الدستورية ثم الاستفتاء الجماهيري ؟
ان أثارت هذه الأسئلة من باب التأكيد على قدرة الموضوع في تحمل المزيد من الاسئلة وليس سؤالا واحدا ؟وأحيانا يتم صياغة السؤال بطريقة معينة يكون الجواب كامن في نفس السؤال .
ومن الجدير بالذكر هنا ان المرفوع الى المحكمة الاتحادية صيغة سؤال وجملة محددة وليست دعوة قضائية كاملة وموضوع للدراسة ثم إصدار الحكم وهنا الأمر يكون جدا حساس إذا لم يتفق على ضبط السؤال المرفوع ,حيث من الممكن بعد ذلك أن يطعن بالأمر لدى المحاكم الدولية مثل محكمة العدل الدولية.
وعلى الجهة التي ترفع السؤال لابد أن تستشير الأطراف المعنية وتطرح عليهم الصيغة النهائية قبل رفع الأمر الى المحكمة لان الاتفاق على اللجوء الى المحكمة لاتعني الاتفاق على كل التفاصيل وعليه هناك
قراران يتطلب إلى التوافق بين المعنيين :
الأول/ توافق الاطراف في اللجوء الى المحكمة الاتحادية.
الثاني/ التوافق على صيغة السؤال المرفوع إلى المحكمة الاتحادية ولا ينبغي ان يكون ذلك مورد اجتهاد او انفراد .
وحسب المادة 94 من الدستوران قرارات المحكمة المذكورة باتة , ولكن السؤال كيف يتخذ ذلك القرار هل هناك آلية واحدة لكل القرارات سواءا كانت مصيرية وخطيرة أوعادية وبسيطة , وبصدد الموضوع المثار وهي المادة 140 هل سيكون القرار بالأغلبية ام بالاجتماع ماذا لواعترض بعض القضاة ,خاصة وان الامررفع بتكلف الى المحكمة وليست بانسيابية اختصاصية .
ولحساسية الموضوع ينبغي على المحكمة الاتحادية أن تأخذ وقتا أطول للدارسة والحوار والمداولة بين أعضائها قبل إصدار الإقرار وان ينال ذلك القرار الإجماع بين الأعضاء لدفع الشبهات .